علي بن أحمد المهائمي

653

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

قدرة حتى قال بذلك في لغة أهل الضلال ، فكأنه ظهر الحق فيهما بقدمه ، لكن لا يظهر بالقدم في شيء كما لا يظهر بالإلهية في مظهر ، فكأنهما ظهرا في الحق ، ( فكأنه قال له في جواب قوله : وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ، ) ( قال ) : أعاده ليعده ( الذي يظهر فيه صور العالمين من علو ، وهو السماء ) سواء كان روحانيّا كالروح والغيب ، أو جسمانيّا كالعرش وسائر الأفلاك ، ( وسفل وهو الأرض ) سواء كان من العناصر والمولدات وما بينهم ، أي : بين العلو والسفل من النفوس الحيوانية والنباتية والمعدنية ، والقوى المدركة والمحركة فيها باقية النوع والذات في نظر أهل الظاهر ، فينظر الحق بها من حيث ظهوره فيها ، لكنه يتم ظهوره بالقدم الذي هو أخص لكنة باعتبار ما يري فيه من الاستمرار ومدة مديدة ؛ فلذلك قال فيه : ( إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ) أي : ناظرين بالكشف ؛ فإنه يظهر لكم فيها قدمه ، لكن في نظر أهل الظاهر منا هنا الظهور للسماوات والأرض وما بينهما في الحق ؛ فلذلك قال بعده : ( أو يظهر هو بها ) ، وذلك في الصور العنصرية من حيث الكون والفساد على ما بينا . ولما كان الظهور هنا للحق لم يقل : إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ، لكنه لما خفي بظهور حدوثها ، قال له فرعون : إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ، ( فلما قال فرعون لأصحابه إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ، لا بالمعنى المتعارف ، بل ( كما قلنا في معنى كونه مجنونا ) ، وهو أن الحق قد استتر فيها بظهور حدوثها ، وإن دل ظهور الحدوث فيها على أن لا وجود لها من نفسها دلالة واضحة . [ زاد موسى في البيان ليعلم فرعون مرتبته في العلم الإلهيّ لعلمه بأنّ فرعون يعلم ذلك ؛ فقال : رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فجاء بما يظهر ويستتر وهو الظّاهر والباطن ، وما بينهما وهو قوله : بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ البقرة : 29 ] ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [ الشعراء : 28 ] أي إن كنتم أصحاب تقييد ؛ فإنّ العقل يقيّد ، فالجواب الأوّل جواب الموقنين وهم أهل الكشف والوجود ، فقال لهم : إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ [ الشعراء : 24 ] أي : أهل كشف ووجود ، فقد أعلمتكم بما تيقّنتموه في شهودكم ووجودكم ، فإن لم تكونوا من هذا الصّنف ، فقد أجبتكم في الجواب الثّاني إن كنتم أهل عقل وتقييد وحصرتم الحقّ فيما تعطيه أدلّة عقولكم فظهر موسى بالوجهين ليعلم فرعون فضله وصدقه ، وعلم موسى أنّ فرعون علم ذلك أو يعلم ذلك لكونه سأل عن الماهيّة ، فعلم أنّه ليس سؤاله على اصطلاح القدماء في السؤال بما ، فلذلك أجاب فلو علم منه غير ذلك لخطّأه في السّؤال ] . ( زاد موسى في البيان ) بأنه في صورة السماء والأرض وما بينهما ظهر بالقدم ،